Picture
  الرسالة خُربُر الثامنة

عزيزي علقم،

إذا، ًلديك "آمال كبار بأن الطّور الديني عند مريضك يتلاشي" أليس كذلك؟ لطالما حسبت أن كلية التدريب قد انهارت منذ عينوا صلبغوب رئيساً لها، والآن تأكد لي ذلك.
ألم يحدثك أحد قط عن قانون التموج ؟
إن الآدميين برمائيون، نصفهم روح ونصفهم حيوان.
(وقد كان علي انتاج هجين من هذا النوع أحد العوامل التي حملت أبانا علي سحب دعمه له) فمن حيث كونهم أرواحاً، هم ينتمون إلي العالم الأبديّ. ولكنهم من حيث كونهم حيوانات يقيمون في الزمن. وهذا يعني أنه بينما يمكن توجيه أرواحهم نحو غرض أبدي، تبقي أجسادهم وأهواؤهم وتصوّراتهم عرضة للتغير المستمر، فإن اقرب سبيل لديهم الي الثبات هو التموّج : الرجوع المتكرّر إلي مستوي يعودون فيه إلي السقوط تكراراً، في سلسلة من القيعان والقمم. ولو راقبت مريضك عن كثب، لرأيت هذا التموج في كل دائرة من دوائر حياته. فإن اهتمامه بعمله، ووداده لأصدقائه، وشهواته الطبيعية، كلها تعلو وتهوي. ومادام يعيش علي الارض، فإن مراحل الغني العاطفي والجسماني والنشاط تتبادل مع مراحل اللامبالاة والفتور والضعف، فالجفاف والبلادة اللذان يجتازهما مريضك الآن ليسا كما نفترض بشغف، صنيعك الرائع، بل هما مجرد ظاهرة طبيعية لن تعود علينا بأي نفع إلا اذا استغللتها أحسن اسغلال .
وكي تقرر أي استغلال لها هو الافضل، ينبغي أن تسأل أي استعمال يريد العدو أن يستعملها، ثم تعمل العكس. والان قد يفاجئك أن تعلم ان العدو في مساعيه لامتلاك النفس امتلاكا دائماً، يرُكن الي القيعان أكثر من إركانه الي القمم. فإن بعضاً من صفة محبوبيه قد اجتازا قيعانا أطول وأعمق مما اجتاز أي شخص آخر. وإليك السبب. إن الآدمي عندنا هو طعام في الجوهر، وهدفنا أن تمتص إرادتنا إرادته، أن نُضاعف مساحة ذاتيتنا علي حسابها .
غير أن الطاعة التي يطلبها العدو من البشر شيء مختلف تماماً . فعلي الواحد منا أن يواجه الحقيقة المتمثلة في أن مجمل الحديث عن محبته للبشر، وأن الخدمة له هي حرية كاملة، ليست مجرد دعاية (كما يسر المرء أن يحسب)، بل حقيقة مروعة. فهو حقاً يريد الفعل أن يملأ الكون بكثير من الصور الصغيرة البغيضة الطابقة لذاته: خلائق تكون حياتهم، علي مقياسها المصغر، مثل حياته في نوعيتها، ليس لأنه قد تشرّبهم امتص إرادتهم، بل لأن إرادتهم تتوافق طوعياً مع إرادته.
نحن نريد قطعاناً يمكن أن يصيروا في النهاية طعاما. أما هو فيريد خداماً يصيرون في الآخير أبناء. نحن نريد أن نمتص الي دواخلنا. أما هو فيريد أن يتدفق ويعطي الي الخارج. نحن فارغون ونرغب في الامتلاء. أما هو فملان وفيّاض . فإنما غرض الحرب عندنا هو الوصول الي عالم فيه قد جذب أبونا الدنيّ جميع الكائنات الأخري الي داخل ذاته، في حين أن العدو يريد عالما ملآن كائنات اتحدت بذاته لكنها ظلت متمايزة. ها هنا يأتي دور القيعان . فلابد أن تكون قد تساءلت كثيراً من المرات عن سبب عدم استخدام العدو لقوته بشكل أكبر كي يكون حاضراً علي نحو ملموس بالنبسة للنفوس البشرية إلي اي مدي يختاره وفي أية لحظة. ولكنك الآن تري أن "ما لا يقاومم" "وما لا يقبل الجدل" هما السلاحان اللذان تحول طبيعة خطته في ذاتها دون استخدامه لهما. فإن مجرد إبطال الإ البشرية
(وهو ما لابد أن يحققه حضوره الملموس بدرجة قوية بما يكفي) سيكون عديم النفع عنده. إنه لا يستطيع أن يغتصب اغتصابا، بل إنه فقط يتودد تودداً .ففكرته الخسيسة هي أن يأكل الكعكة ويحوزها: إذ ينبغي للخلائق أن يتحدوا به إلي التمام إنما يظلون هم أنفسهم. فمجرد الغائهم، أو اهتضامهم، ما كان ليؤدي غرضه. وهو مستعد للقيام بشئ من الهيمنة في البداية. ذلك أنه يزودهم عند مباشرة الرحلة بإشارات إلي حضوره تيدو عظيمة في نظرهم، رغم كونها واهية، تصحبها عذوبة عاطفية وانتصار سهل علي التجربة. ولكنه لا يسمح أبداً باستمرار الشؤون علي هذه الحال مدة طويلة. فهو ينكفيء عاجلاً أو آجلاً، إن لم يكن بالحقيقة فعلي الأقل من دوائر اختبارهم الواعي، حاجباً جميع الدعائم والحوافز. إنه يترك الخلوق يقف علي رجليه، كي يؤدي بدافع الإدارة وحدها واجبات فقدت كل رونق ومتعة. ففي أثناء أوقات القيعان هذه وما يشابهها، أكثر بكثير جداً مما في أثناء أوقات الّذري، ينمو الآدمي ليصير مخلوقاً من ذلك النوع الذي يريد له عدونا أن يكونه.

من هنا كانت الصلوات المرفوعة في حالة الجفاف هي تلك التي تسره أفضل سرور. ويمكننا أن نجرجر مرضانا بالإغواء المستمر، لأننا ننوي أن نأتي بهم الي مائدتنا فحسب، وكلما عرقلنا إراداتهم كان افضل.

فلا يمكن ان "يغوي" هو للفضيلة كما نغويها نحن للرذيلة. إنه يريد لهم ان يتعلموا المشي ، ولذلك ينبغي ان يسحب يده ولو توافرت فعلاًُ مجرد الرغبة في المشي لسره ذلك حتي مع تعثرهم. حذار ان تنخدع ، يا علقم

فإن قضيتنا لا تكون يوماً عرضة للخطر اكثر منها حين يعمد الادمي، وهو مازال قاصداً إطاعة مشيئة عدونا رغم انقطاع رغبته في ذلك، الي التطلع حواليه في ارجاء عالم يبدو ان كل اثر من اثار العدو قد تلاشى منه، ويتسأل عن سبب التخلي عنه، ومع ذلك يثابر علي الطاعة.

غير ان القيعان توفر فرصاً لمصلحتنا نحن ايضاً . وفي الاسبوع المقبل سأزودك ببعض التعليمات في كيفية استغلال تلك القبعان

عمك المحب

خُربُر

 
 
Picture
                      الرسالة السابعة

عزيزي علقم

     إني اتعجب من سؤالك لي عن كون إبقاء المريض في جهل لوجودك بالذات أمراً جوهرياً. فذلك السؤال – علي الاقل في المرحلة الحاضرة من الصراع – قد أجابتنا عنه القيادة العُليا : سياستنا، في الوقت الراهن، تقضي بأن نخفي أنفسنا. ولم تكن الحال بالطبع علي هذا المنوال دائماً.

فنحن في الحقيقة في مواجهة مأزق صعب. عندما لا يؤمن الآدميون بوجودنا، نخسر جميع النتائج المُبهجة المتمثلة في الارهاب المباشر ولا نصنع سحرة مشعوزين . ومن الناحية الأخري، عندما يؤمنون بوجودنا، لايمكننا أن نجعلهم مادّيّين وشكوكّيين . علي الأقل، حتي الآن . إلا أن لدي آمالاً كباراً بأننا عندما يحين الأوان سنتعلّم كيف نُضفي علي علومهم صفتي العاطفية والأسطورية إلي حد عنده يتسلّل إليهم في الواقع ما هو إيمان بنا (وإن لم يكن مدعوّاً بهذا الاسم) فيما يبقي الذهن البشري مُوصداً في وجه الايمان بالعدو. ولهذا الغرض، قد يثبت نفع "قوة الحياة" وعبادة الجنس وبعض نواحي التحليل النفسي . فلو تمكنا فقط من إنتاج صنيعنا الكامل، أي الساحرالقائل بالمادية، حيث لا يستخدم الانسان ما يدعوه "القوي" علي نحو مبهم بل يتعبد لها بالحقيقة، في حين ينكر وجود"الأرواح" لبدت نهاية الحرب عندئذ ظاهرة للعيان. ولكن في هذه الأثناء يجب أن نطيع الأوامر الصادرة إلينا. فلست أظن أنك ستواجه كثيراً من الصعوبة في إبقاء المريض وسط الظلام. ذلك أن حقيقة كون "الشياطين" شخصيات هزلية علي نحو واسع الانتشار في الخيال العصري سوف تساعدنا حتماً . فإن بدأ ينبعث في عقله أو هي شكّ من جهة وجودك، فأوح اليه بصورة كائن ما يرتدي ثوب بهلوان أحمر ضيقاً، وأقنعه بأنه لّما كان لا يمكنه أن يؤمن بذلك الكائن فلا يقدر تاليا أن يؤمن بك (وهذا أسلوب قديم لإربكاء البشر تعلمناه من الكتب).

     لم أنس وعدي بأن ننظر في وجوب جعل المريض وطنيّاً متطرّفاً أو لا عنفيّا متطرّفا . ينبغي أن نشجع علي كل تطرف ، ما عدا التطرف في التكرّس للعدوّ . ليس دائماً بالطبع، بل في هذه الفترة الزمنية . فبعض العصور فاترة وقانعة. عندئذ علينا أن نهدهد البشر حتي يغطّوا في سبات عميق . أما العصور الأخري، ونها عصرنا الحاضر، فهي غير متزنة وعرضة للصراع الحربي. وعندئذ تكون مهمتنا أن نؤجج نارهم . فأية زمرة تجمعهامعاً مصلحة ما يمقتها آخرون أو يتجاهلونها، تميل لأن تنشيء داخل ذاتها دفيئةً من ألإعجاب المتبادل، وتجاه العالم الخارجي مقداراً كبيراً من الكبرياء والبغضاء  يُضمر بلا حياء لأن "القضية" ترعاه، وهو يعتبر مشاعر غير شخصية . حتي لو تواجدت تلك الجماعة الصغيرة أصلاً لأجلأغراض العدو الخاصة، فإن هذا يبقي صحيحا. فنحن نريد للكنيسة أن تكون صغيرة ليس فقط بأن يتعرف بالعدو عدد من الناس أقل ، بل أيضاً بأن يكتسب  أولئك الذين يتعرفون به بالفعل البر الذاتي الدفاعي ذا الحدة المقلقة، ذاك الذي تتصف به جمعية سرية أو عصبة ما . طبعاً إن الكنيسة نفسها محمية حماية شديدة، ونحن لم ننجح تماماً بعد في أن نُضفي عليها جميع الخصائص التي يتميز بها الحزب ولكن أحزاباً ثانوية في داخلها كثيراً ما أحرزت نتائج باهرة، من حزبي بولس وأبلوس في كورنثوس حتي الأحزاب العليا والدنيا في كنيسة إنكلترا.

     وإذا أمكن التأثير في مريضك حتي أحد الذين يدفعهم ضميرهم للاعتراض دائماً، فإنه سيجد نفسه تلقائياً فرداً في جمعية صغيرة، مجاهرة ومنظمة وغير مرحّببها عندالناس . وآثار ذلك في شخص اهتدي إلي لسيحية منذ عهد قريب جداًستكون جيدة علينحو شبه مؤكد . لكن شبه مؤكد فقط، وليس مؤكد تماماً فهل سبقأن ساورته شكوك خطيرة بشأن مشروعية الخدمة في حرب عادلة قبل نشوب الحرب الحالية؟ وهل هو ذو شجاعة طبيعية عظيمة، من العِظَم بحيث لا تكون لديه أيّة هواجس يشعر بها بعض الشعور حيال الدوافع الحقيقية وراء لا عنفيّته؟ وهل يمكنه، حين يكون أقرب  إلي الصدق والاستقامة
(ليس من بشري البتة قريباً جداً)، أن يشعر كل الشعوربأنه مقتنع بكون الرغبة في إطاعة العدو هي التيتحفزه؟ إن كان رجلاً من هذا النوع فإن لا عنفيته لا يُحتمل أن تنفعنا نفعاً كثيراً، ومحتمل أن العدوّ سوف يحميه من العواقب المعتادة للانتماء الي طائفة ما. وستكون خطتك الفضلي، في تلك الحالة، أن تجرّب أزمة عاطفية، مشوشة مُفاجئة، قد يخرج منها كمهتدٍ مُضطرب إلي الوطنية المغالية.

إن أموراً كهذه يمكن تولي أمرها حسناً في أغلب الاحيان. ولكن إذا كان ذلك الرجل كما أحسبه، فجرّب اللاعنفية . ومهما كانت وجهة النظر التي يعتنقها، فإن مهمتك الرئيسة ستيقي المهمة ذاتها. دعه يُباشر معاملة الوطنية أو اللاعنفية كجزء من ديانته . ثم دعه، تحت تأثير روح التحزب، يصل الي حسبانه الوطنية أو اللاعنفية الجزء الأهم . ثم تعهده، بهدوء وبالتدريج، لبلوغ المرحلة التي فيها يصير الدّين مجرد جزءٍ من "القضية" حيث تقدر قيمة المسيحية بشكل رئيسي من أجل الحجج التي يمكن أن تقدمها لمصلحة الجهد الحربي البريطاني أو لمصلحة الاعنفية . إنما الموقف الذي ينبغي لك أن تحترس منه هو ذاك الذي فيه تُعامل الشؤون الوقتية، جوهرياً وبشكل أساسي،كمادة للطاعة. فما إن تتمكن من جعل العالم الحاضر غاية، والايمان وسيلة، حتي تكون قد كسبت زبونك تقريباً. وقليل هة الفرق الذي يحدثه نوع الغايات الدنيوية الذي يسعس اليه. فإذا ما كانت الاجتماعات والأوراق و السياسات والتحركات والقضايا والحملات تهمُه أكثر من الصلوات والممارسات المقدسة والمحبة والإحسان، فهو لنا...وكلما كان "متديناً"
(بمقتضي هذه الشروط والمواصفات) كان امتلاكنا له أضمن وآمن. وفي وسعي أن أريك سجناً كبيراً هنا في الأسفل يغصّ بأمثالة.

                                             عمك المحب

                                                    خُربر    

 
 
Picture
  الرسالة السادسة

عزيزي علقم

يسرني أن أسمع أن سن مريضك ومهنته ترجّحان- وإن كانتا لا تؤكدان علي الاطلاق – أنه سيتدعي الي الخدمة العسكرية. فنحن نريد له أن يكون علي أعلي درجة من اللايقين، بحيث يزخر ذهنه بصور متضاربة عن المستقبل، كل منها تبحث الامل أو الخوف. وليس من شيء مثل الترقب والقلق يصدذهن ألآدمي عن العدوّ.فهو يريد للناس أن يعنوا بما يعملونه، في حين أن عملنا هو أن نشغل أفكارهم بما سوف يحدث لهم .

سيكون مريضك بالطبع قد أعتنق العقيدة القائلة بأن عليه أن يخضع لمشيئة عدوّنا صابراً .

وما يعنيه العدو بذلك هو في الاساس أن علي المريض أن يقبل بصبرالضيق الذي قسم له فعلاًً، أي القلق والترقب الحاضرين. ففي هذا الوقت تقريباً عليه أن يقول "لتكن مشيئتك"، ولأجل المهمة اليومية القاضية بتحمل هذا الوضع عليه أن يطلب إعطائه خبزه اليومي . فمهمتك أن تُعني بألا تفكر المريض أبداً بالخوف الحالي علي أنه صليبه المعيّن له، بل بأن يفكر فقط بالاشياء التي يخاف منها. فدعه يحسب تلك كلها صلبانه : دعه ينس أنها لا يمكن أن تحدث كلها له، بما أنّها غير متآلفة، ودعه يحاول أن يمارس الجلد والصبر حيالها كلها مسبقاً. ذلك أن الاستسلام الفعلي في الوقت عينه لكمية كبيرة من المصائر المختلفة والافتراضية يكاد يكون مستحيلاً.

والعدو لا يعين كثيراً من يحاولون القيام بذلك. إذ إن الاستسلام للمعناة لحالية والفعلية، ولو حيث يكون ما يعانيه هو الخوف، يكون أسهل، وغالباً ما يؤازره هذا التصرف المباشر .

ينطوي هذا علي مبدأ روحي هام. فقد بينت لك أنك تستطيع إضعاف صلواته بصرف اهتمامه عن العدو نفسه الي حالات ذهنه هو من جهة العدو. ومن الناحية ألأخري، تصبح السيطرة علي الخوف أسهل حين يكون ذهن المريض محوّلا الغرض الذي يخاف منه إلي الخوف ذاته، باعتباره حالة راهنة وغير مرغوب فيها من حالاته الذهنية الخاصة. وعندما يحسب الخوف صليبه المعيّن له، فلا بد أن يفكر فيه علي أنه حالة ذهنية . من ثم يغدو في وسع المرء أن يصوغ القاعدة العامة : في جميع أنشطة الذهن التي تخدم قضيتنا، شجع المريض علي ألا يكون واعياً لذاته أما في جميع الأنشطة المؤاتية للعدوّ، فاعطف ذهنه رجوعاً الي ذاته (يسعي الشيطان لجعل الانسان منكرا لذاته في سبيل الشيطان لكن منشغلا بذاته نفسها في ما يخص الله). فاجعل إهانة ما أو جسد أمرأة يركزان أهتمامه نحو الخارج بحيث لا يفكر قائلاً "ها أنا ألآن أدخل في الحالة المدعوة غضباً، أو في الحالة المسماة شهوة" وعلي العكس دع التفكير" إن مشاعري الآن تصير أكثر تقوي وورعاً، أو أكثر محبة وخيرية" يركز اهتمام هذا المريض علي داخله بحيث لا يعود يجاوز بنظره نفسه حتي يري عدّونا أو إخوانه هو(يسعى الشيطان لجعلنا نركز علي برنا وحياتنا فننسي الله والاخرين) .

أما فيما يتعلق بموقفه الأكثر عمومية تجاه الحرب، فيجب ألا تركن فوق الحد الي مشاعر البغضاء لك التي يشغف الناس كثيراً بمناقشتها في المنشورات الدورية، مسيحية كانت أو غير مسيحية. في وسعك طبعاً أن تشجع المريض، في كربه، علي الانتقام لنفسه ببعض المشاعر الثأرية الموجهة نحو الزعماء الألمان، وذلك جيد ما دام جاريا مجراه. غير أنه غالبا ما يكون نوعا من البغضة الميلودرامية (اي المتكلفة والمبالغ فيها عاطيفياً والتي يصعب تطبيقها عملياً) او الخيالية مُنصباً علي كباش مُحرقة وهميّين . فهو لم يلتق أولئك القوم قط في الحالة الواقعية: إنهم صور شكّلها حسب النموذج الذي يحصله من الصحف . وغالباً ما تكون نتائج مثل هذه البغضة مخيّبة جداً، ومن بين البشر جميعاً، يشكّل الانكليز في هذا المجال أدعي الجبناء للرثاء . فهم خلائق من ذلك النوع التعس، إذ يصرّحون علناً بأن التعذيب لأعدائهم جيّد جداً ثم يقدمون الشاي والسجائر لأول طيار ألماني جريح يظهر عند الباب الخلفي !

ولئن فعلت ما شئت، فسوف يكون في نفس مريضك شيء من الخيرية وحب الاحسان، وشيء من الحقد أيضاً . فالأمر العظيم هو أن توجه الحقد نحو أخوانه الأقربين الذين يلتقيهم كل يوم، وأن تدفع خيريته بعيداً الي المحيط الأنأي، الي أشخاص لا يعرفهم. وهكذا يصير الحقد حقيقيا علي نحو كليّ، والخيرية وهمية الي أبعد حد. فلا خير البتة في إضرام حقده علي الالمان، إذا كانت في الوقت عينه عادة ممارسة الخير المهلكة تترسّخ بينه وبين أمّه، ورب عمله، والرجل الذي يلتقيه في القطار.

فكر في زبونك كما لو كان سلسلة من الدوائر المتراكزة، أعمقها إرادته، وتالُتها عقله، وألأخيرة تصوره الخيالي . فانك لا تكاد ترجو في الحال أن تقصي من جميع الدوائر كل ما تفوح منه رائحة العدو، ولكن عليك أن تواصل دفع جميع الفضائل نحو الخارج حتي تستقر أخيرا في دائرة الخيال الجامح، ودفع جميع الصفات المرغوبة نحو الداخل، الي الادارة. فلا تكون الفضائل مهلكة لنا حقا الا بمقدار ما تتجسد في عادات تمارس، وذلك عند بلوغها دائرة الارادة.(طبعا لست أعني ما يحسبه المريض إراده مخطئاً، اي استشاطة الغضب والغيظ إذ يقرر قراراته وأسنانه مطبقة باحكام، بل المركز الحقيقي: ما يسميه عدونا القلب) فجميع أنواع الفضائل الي يرسمها الخيال الجامح، أو التي يقرها العقل، بل أيضاً- الي حدً ما- يهواها ويرغب فيها، لن تبعد الانسان عن بيت ابينا، وانما بالحقيقة قد تجعله أكثر إضحاكا وإمتاعاً حين يصل الي هناك .

عمك المحب

خربر

 
 
Picture
  الرسالة الخامسة

عزيزي علقم

من المخيب للآمال قليلا أن أتوقع تقريرا مفصلا عن عملك فأتلقي عوضا عن ذلك قطعة إنشائية انفعالية نظير رسالتك الأخيرة. تقول إنك "منفعل من الفرح" لأن الآدميين الأوربيين قد باشروا حربا أخري من حروبهم. فأنا أري بكل وضوح ما قد جري لك. إنك لست منفعلا بل أنت سكران فحسب. فعند القراءة بين السطور في روايتك غير المتزنة عن ليلة المريض الأرقة، أستطيع أن أرسم صورة حالتك الذهنية بدقة كافية. إنها أول مرة في سيرتك تذوق فيها تلك الخمرة التي هي مكافأة كل مجهوداتك، أي كرب النفس البشرية وأرتباكها وقد لعبت برأسك، ولا أكاد ألومك. فلست أتوقع رؤوساً عتيقة علي أكتاف شابة. هل أستجاب المريض لبعض من صورك المروعة عن المستقبل؟ هل عملت علي أستعادة ذكريات الماضي السعيد ببعض النظرات الزاخرة بالأشفاق علي الذات ؟ أأحدثت بعض أرتعاشات الطرب في قعر معدته؟ أولم تعزف كمنجتك عزفا عزبا ؟ طيب ، طيب ، ذلك كله طبيعي .إنما تذكر، ياعلقم، أن الواجب يتقدم علي المتعة. فإذا كان أي تماد في الهواء والمتعة من قبلك يؤدي إلي فقداننا للفريسة في النهاية، فستبقي الأبدية كلها متعطشا إلي تلك الجرعة التي تستمتع الآن كثيرا بأول رشفة منها. أما إذا استطعت، بمثابرتك علي التعامل معه الآن وهنا برباطة جأش، أن تضمن نفسه اخيرا، فسيكون لك إلي الأبد، كأسا حية طافحة من اليأس والرعب والذهول يمكنك أن ترفعها إلي شفتيك كلما شئت. إذا لا تدع أي بهجة وقتية مفرطة تصرفك عن عملك الحقيقي في تقويض الإيمان ومنع تشكل الفضائل فيه. وقدم لي بلا إخفاق في رسالتك التالية خبرا كاملا عن ردات فعل المريض تجاه الحرب، بحيث يمكننا أن نتفكر في أرجحية بلائك حسنا بجعله وطنيا متطرفا أو عنفيا متحمسا. فلدينا في الحرب وأتجاهها أحتمالات من كل نوع. وفي هذه الأثناء. ينبغي أن أحذرك من أن تأمل الاستفادة من الحرب أستفادة تفوق الحد.

إن الحرب مسلية بالطبع. فالأهوال المباشرة ومعاناة الآدميين إنعاش شرعي ومبهج لعشرات الألوف من فعلتنا الناشطين. ولكن أي نفع دائم تعود علينا به إلا إذا أستغللناها للإتيان بالنفوس إلي أبينا الدني؟ فعندما اري المعاناة الوقتية لدي الآدميين الذين يفلتون من ايدينا أخيرا، أشعر كما لوسمح لي بأن أذوق أول دورة من وليمة فاخرة ثم حرمت الباقي. وهذا أسوأ من عدم تذوقها اصلا. فإن العدو الملتزم لأساليبه الهمجية في المحاربة، يسمح لنا برؤية الشقاوة القصيرة الأمد لدي محبوبيه لكي يغيظنا ويعذبنا فقط لكي يهزأ بهذا الجوع الدائم الذي، في أثناء المرحلة الحالية من النزاع العظيم، لا ننكر أن حصاره يفرضه علينا فلنفكر بالحري إذا كيف نستخدم هذه  الحرب الأوربية لا كيف نستمتع بها. ذلك أن لها بضع نزعات واتجاهات. كامنة فيها، ليست بحد ذاتها لمصلحتنا علي الطلاق. لنا أن نأمل في مقدار كبير من القساوة والضراوة والجور. ولكن لم نعتمد الحرص فلا بد أن نري الآلاف الذين لا يتمادون إلي ذلك الحد سينحرف أهتمامهم علي كل حالعن أنفسهم إلي القيم والقضايا التي يعتقدون انها أسمي من النفس. في علمي أن العدو لا يوافق علي كثير من هذه القضايا  ولكن في ذلك المجال هو مجحف للغاية. فهو غالبا مايقدر الآدميين الذين نذروا أنفسهم لقضايا يعتبرها سيئة ، وذلك علي الأساس السوفسطائي علي نحو شنيع جدا والقائل بأن أولئك الأدميين أعتبروها صالحة وكانوا يتبعون أفضل مايعرفونه. وتأمل أيضا أيه ميتات مقيته تحصل في زمن الحرب. فالبشر يقتلون في أماكن عرفوا انهم قد يقتلون فيها. وهم يذهبون إليها مستعدين، إذا كانوا من حذب العدو أصلا. فكم يكون أفضل بكثير لنا لو أن جميع البشر يموتون في دور عناية بين أطباء يكذبون، وممرضات يكذبن، وأصدقاء يكذبون مثلما دربناهم واعدين المائتين بالحياة، مشجعين علي العتقاد أن المرض عذر للأسترسال في كل هوي، بل ايضا – إذا كان فعلتنا يعرفون عملهم جيدا- حاجبين كل أقتراح بإحضار كاهن لئلا يكشف للمريض حالته الحقيقية! وكم هو كارثي علينا ما تعززه الحرب من تذكر دائم للموت. فإن واحدا من أفضل أسلحتنا، ألا وهو الأنهماك في الدنيويات، يصير عديم النفع. إذ أنه في زمن الحرب لا يستطيع حتي آدمي واحد أن يظن أنه سيبقي علي قيد الحياة للابد.

أنا أعلم أن شجرب وآخرين قد رأوا في الحرب فرصة عظيمة لشن هجمات علي الإيمان، ولكنني أعتقد أن تلك النظرة قد ضخمت. فإن محازبي العدو الآدميين جميعا قد قال لهم هو بصراحة إن معاناة الألم جزء جوهري مما يدعوه "الفداء" وعليه فإن إيماننا تفسده حرب ما ، أو وبأ من الأوبئة ، ما كان لستحق عناء إفساده. وأنا أتكلم الآن عن المعاناة المستمرة مدة طويلة ، كتلك التي تسببها الحرب. فبالطبع، في لحظة الرعب أو الحرمان أو الألم، يمكنك أن تقتنص ضحيتك حين يكون عقله معلقا بشكل وقتي. ولكن حتي في هذه الحالة، إذا اتصل بمركز قيادة العدو، فقد تبين لي أن الموقع يكون تحت الحماية في كل حين تقريبا.

عمك المحب

خربر

 
 
Picture
 

الرسالة الرابعة

عزيزي علقم

نبهتني الاقتراحات غير البارعة في رسالتك الماضية الي ان الاوان قد أن كي أكتب بالتفصيل في موضوع الصلاة المؤلم . وقد كان في وسعك أن تحجم عن تعليقك بأن نصيحتي لك بشأن صلوات زبونك لأجل أمه "اثبتت فشلها علي نحو استثنائي" فليس هذا من الاشياء التي يجدر بابن الاخ ات يكتبها الي عمه، ولا بمجرب صغير الي وكيل الدائرة. وهو ينم ايضا عن رغبة بغيضة في التهرب من المسؤولية وتحملها لآخرين. فيجب عليك ان تتعلم دفع ثمن اخطائك الفادحة .

إن أفضل شئ تفعلة، حيث يكون ممكناً، هو تُحول كليا بين مريضك والتصميم الجدي علي الصلاة. وحين يكون المريض بالغاً اهتدي مجددا منذ عهد قريب الي حزب العدو، مثله مثل زبونك ، يتم إنجاز ذلك علي افضل نحو بتشجيعة علي أن يتذكر – أو يظن انه يتذكر – طبيعة صلواته الببغائية في صغره. كرده فعل  علي هذا، يمكن إقناعة باستهداف نوع الصلاة تلقائي كلياً، داخلي، غير رسمي، غير منتظم . وما يعنيه هذا فعلاُ بالنسبة الي المتبدئ سيكون محاولة ان ينتج في ذات نفسه مزاجاً تعبدياً غامضاً ليس من دور فيه للتركيز الفعلي من جانب الادارة والعقل. فإن أحد شعرائهم، كولريدج كتب انه لم يكن يصلي "بشفتين متحركتين وركبتين محنيتين"بل إنما "يعد روحه للمحبة" ويستغرق في "إحساس ابتهال". ذلك تماما  هو نوع الصلاة الذي نريده. وبما أنه ينطوي علي مشابهة سطحية لصلاة الصمت كما يمارسها اولئك المتقدمون كثيرا في خدمة عدونا، فالمرضي الاذكياء و الكسالي يمكن أن يُخدعوا به مدة طويلة جداً. وعلي ألاقل ألاقل، يمكن بأن الوضعية الجسمية لاتحدث فرقا في صلواتهم لأنهم دائماً ينسون ما يجب أن تتذكره أنت كل حين، وهو أنهم حيوانات وأن أي شيء تفعله أجشامهم يؤثر في نفوسهم فعلاً. وعجيب كيف يصوّرنا البشر مُدخلين في أموراً في عقولهم، في حين ان عملنا الافضل يتم انجازه بإبقاء الأمور خارجها.

أما اذا أخفق هذا، فعليك أن تنكفيء الي طريقة أدهي في توجيه عزمه توجيهاً خاطئاً. فكلما كانوا مُصغين الي العدوّ نفسه نكون مهزومين، ولكن لدينا طرقاً لمنعهم أن يفعلوا ذلك، أسهلها أن نحوّل أنظارهم عنه الي أنفسهم. فأبقهم مُنشغلين بأذهانهم بالذات، ومُحاولين أن يُنتجوا مشاعر في داخلهم بفعل إرادتهم الخاصة. فحين يقصدون أن يطلبوا منه المحبة، دعهم عوضاً عن ذلك يباشروا محاولة أصطناع مشاعر محبة لأنفسهم بغير أن يلاحظوا أنهم فاعلون ذلك. وحين يقصدون أن يصلوا طالبين الشجاعة، دعهم يعكفوا في الواقع علي محاولة الشعور بأنهم شجعان. وحين يقولون إنهم يصلون لأجل المغفرة، دعهم ينصرفوا الي محاولة الشعور بأنهم حاصلون علي الغفران. علّمهم أن يخمنوا قيمة كل صلاة بنجاحهم في انتاج الشعور المرغوب، ولا تدعهم البتة يظنون أن النجاح أو الفشل في إنتاج هذه المشاعر يتوقّفان علي كونهم أصحاء أو مرضي، مرتاحين أو متعبين، في اللحظة الحاضرة.

     ولكن العدوّ بالطبع لن يكو متكاسلاً في هذه الاثناء. فكلما حصلت صلاة يوجد خطر التصرف المباشر من قبله. إنه لا مبال علي نحو ساخربكرامة مقامه،ومقامنا ، كأرواح محض،وللحيوانات البشرية الجاثية علي ركبها يسكب معرفة الذات بطريقة مخزية للغاية. ولكن حتي لو دحر محاولتك ألاولي في التوجيه الخاطيء، فعندنا سلاح أمضي وأمكر.ذلك أن ألادميّين لا ينطلقون من الادراك الحسّي المباشر لعدونا،وهو، للآسف، ما لا نستطيع نحن تجنبه. فهم لم عرفوا قط ذلك الضياء الساطع المورّع، ذلك الوهج السافع الخارق الذي يشكل خلفية ألالم الدجائم في حياتنا. فإذا نظرت الي داخل عقل مريضك وهو يصلي، فلن تجد ذلك. وإذا تفحصت الغرض الذي يشخص اليه، فسيتبين لك أنه غرض مركب يحتوي علي عدة مقومات وعناصر سخيفة مُضحكة للغاية. ستكون فيهخ صور مستوحاة من رسوم العدو كما كانت هيئته في أثناء تلك الفترة الغيضة المعروفة بالتجسد. وستكون فيه صور أكثر غموضاً- ربما فجّة وضفولية جداً- مرتبطة بالأقنومين الآخرين. بل سيكون أيضاًَ بعض من مهابة الزّبون الشخصية "وألأحاسيس الجسدية المُصاحبة لها" ذا شكل معين ومنسوباً إلي الغرض المهوب. وقد عرفت حالات فيها كان ما يدعوه المريض "الهه" مستقراً بالفعل في مكان ما: فوق إلي اليسار عند زاوية سقف النوم، أو داخل رأسه هو، أو علي صليب مُعلق علي الحائط . ولكن مهما كانت طبيعة ذلك الغرض المركب، ينبغي لك أن تبقيه مصلّياً إليه- إلي الشيء الذي صنعه هو، وليس إلي الشخص صانع هذا ألانسان. حتي إن لك أن تشجعه علي إضفاء أهمية بالغة علي تصحيح غرضه المركب وتحسينه، وعلي إبقائه دائماً نُصب خياله في أثناء الصلاة كلها. فإن حصل مرة أنه أراد أن يفرق بين الحقيقة وغرضه المُتخيّل، إن حصل أن وجّه صلواته ليس إلي ما يظنه الله بل الي ما يعرفه الله عن نفسه، فعندئذ يكون وضعنا مُؤنساً. وما إن يتمخ للرجل التخلي عن جميع أفكاره وتصوراته، أو الابقاء عليها -إذا بقيت – بتمييز تامّ لطبيعتها الذاتية الصّرف، ويعهد بنفسه إلي الحضرة غير المرئية، الخارجية، الحقيقية تماما، الموجودة معه هناك في الغرفة والتي لا يعرفها البتة كما تعرفه هخي، حتي يمكن حدوث ما لم يكن في الحسبان، ففي تلافي هذا لوضع، أي تلافي التجرد الحقيقي للنفس عند الصلاة، حقيقة كون ألآدميين أنفسهم لا يرغبون في تلافيه بمقدار ما يفترضون. إذ إن هذا يشبه حصولهم علي أكثر مما توقّعوه !

                                                          عمك المحب

                                                       خُربر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
Picture
الرسالة الثالثة

عزيزى علقم

انا مسرور جدا بما تقوله  لى عن علاقات هذا الرجل بأمه. ولكن يجب عليك ان تُحسن استغلال الوضع بكل قواك. سوف يكون العدو عاملا من المركز نحو الخارج، مخضعا اكثر فاكثر من تصرفات المريض للمعيار الجديد، وقد يوصل سلوكه الى مستوى السيدة العجوز فى اية لحظة وينبغى لك ان تتدخل اولا. فابق على اتصال وثيق بزميلنا غلبوص المسوول عن الام ، وانشئنا بينكما فى ذلك البيت علاقة طيبة راسخة من الازعاج المتبادل والمضايقات اليومية والوسائل التالية النافعة .

1. ابق فكرة مركزا على الحياة الداخلية. فهو يعتقد ان اهتداءه شئ فى داخله، ولذلك يصرف اهتمامه بشكل اساسى فى الحاضر نحو احوال ذهنه الخاص ، او بالاحرى نحو تلك النسخة المهذبة جدا منها والتى هى كل ما ينبغى لك ان تدعه يراه. فعزز هذا وشجع عليه : اصرف ذهنة عن الواجبات الاولية والاساسية اكثر من غيرها، بتوجيهك اياة نحو تلك الاكثر تقدما وروحانية .فاقم تلك المزية البشرية الاكثر نفعا : هول البديهى واهماله. عليك ان تُوصله الى حالة يستطيع فيها ان يمارس فحص الذات مدة ساعة كاملة بغير ان يكتشف بشأن نفسه اية من تلك الحقائق الواضحة تماما فى نظر اى شخص عاش معة فى البيت نفسه او اشتغل معه فى  المكتب عينه.

2-لاشك ان من المستحيل منعه ان يصلى لاجل امه ولكن لدينا طرقا لجعل صلواته غير مؤذية .فتيقن ان تكون صلواته كل حين "روحانية" جدا وان يكون هو معنيا دائما بحالة نفسها وليس بداء مفاصلها ابدا. وستلى ذلك حسنتان. فاولا، سيبقى اهتمامه منصبا على خطاياها، وبفضل توجيه يسير منك يمكن ان يُحفز على اعتبار اى من افعالها المضايقة او المغضبة خطية وعليه، يمكن ان تحك جراح اليوم حكا يؤلمة اكثر قليلا حتى وهو جاث على ركبتيه. هذة العملية ليست صعبة على الاطلاق وستجد فيها تسلية جمة. وثانيا بما ان افكاره بشأن نفسها ستكون فجة جدا وغير ناضجة ومخطئة فى الغالب، فسيكون الى حد ما مصليا لاجل شخص وهمى وستكون مهمتك ان تجعل ذلك الشخص الوهمى يوميا اقل فأقل شبها بأمه الحقيقية : السيدة العجوز الحادة اللسان الجالسة الى طاولة الفطور. وعاجلاً او اجلاً قد تُصير الشق واسعاً جداً بحيث يُعيق سريان اى فكر او شعور من صلواته لأجل الام المتوهمة الى معالجته للأم الحقيقية. ولطالما كانت لى على بعض مرضاى سيطرة فعالة بحيث امكننى تحويلُهم فى لحيظة عن الصلاة الحارة لاجل "نفس" زوجة او ابن الى ضرب الزوجة او الابن الحقيقىيين او اهانتهما بلا هوادة.

3- حيمنا يعيش ادميان معاً سنين طويلة، يحدثُ عادة ان تكون لكل منهما نبراتُ صوت وتعابيرُ وجه تغضب الاخر على نحو لا يكاد يحتمل. فاستغل هذا الواقع جيداً. استحضر تماماً الى ذهن مريضك التقطيبية الخاصة فى حاجبى امه تلك التى تعلم ان يمقتها حين كان فى دار الحضانة، ودعه يفكر فى مدى مقته لها. ودعه يفترض انها تعرف مدى مضايقتها له وانها تقوم بها كى تُضايقه. واذا احسنت القيام بعملك هذا، فلن يلاحظ زبونك عدم احتمالية هذا الافتراض الى اقصى الحدود .ثم احرص بالطبع على ألا يشك فى أن لديه هو نبرات ونظرات تضايق امه بالمثل. وبما انه لا يستطيع ان يرى او يسمع نفسه فمن السهل تولى هذا الامر

4- ان البغضاء العائلية فى الحياة المتمدنة تعبر عن نفسها عادة بقول اشياء من شانها ان تبدو على الورق غير مؤذية على الاطلاق

(الكلمات لا تكون مغضبة) ولكن حين تقال بنبرة صوت معينة او فى لحظة محددة لا تقصر كثيراً عن ان تكون اشبه بلكمة على الوجه. ولكى تبقى هذة اللعبة على اشُدها، عليك ان تعنى انت وغُلبوص  بأن يكون لكل من هذين الغبيين نوع من المعيار المزدوج. فيجب ان يطلب مريضك ان تفهم جميع اقواله بمعناها الظاهرى وان يحكم عليها على اساس الكلمات الفعلية المجردة ، فى حين يحكم هو على جميع اقوال والدته بمقتضى التفسير الاكمل، والمفرط الحساسية الى ابعد حد، لنبرة الصوت وقرينة الكلام والقصد المتوهم . ويجب ان تشجع هى على معاملته بالمثل .وعندئذ يتاح لكليهما بعد كل مشاجرة ان يمضى مقتنعا بانة – او علي وشك القتناع - برى الى التمام.

انك تعرف نظير هذا القول "يكفى ان أسألها متى موعد الغداء حتى تستشيط غضبا على!" فما ان تتأصل هذة العادة جيدا حتى يغدو لديك الوضع المبهج الذى فيه يقول الادمى اقوالا تهدف بوضوح الى الاغضاب ومع ذلك يتشكى حين يثور الغضب بسبب ما قاله.

اخيراً، افدنى بشئ عن الحالة الدينية لدى السيدة العجوز. الديها شئ من الغيرة بشان العنصر الفعال الجديد فى حياة ابنها ؟ ..........شئ من الاستياء لانه تعلم من الاخرين ، وبعد طول زمان، ما تعتبر انها قد يسرت له فى صغره فرصة  ممتازة لتعلمه ؟ ام هى تشعر بأنه يصطنع كثيراً من "الجبلة" بشان هذا الامر او انه داخل بموجب شروط وظروف سهلة جدا؟ أما تذكر الاخ الاكبر فى قصة الابن الضال التى حكاها عدونا ؟

عمك المحب

خُربُر
 
 
Picture
  الرسالة الثانية

 عزيزى علقم

علمت بمزيد من الاستياء ان مريضك قد امن بالمسيح .فلا تعلل النفس بامل الافلات من العقوبات المعتادة .وبالحقيقة ، فى احسن حالاتك .اثق بانك لاتكاد ترغب فى ذلك مجرد رغبة .انما فى هذة الاثناء علينا ان نستغل الوضع احسن استغلال وان نبذل اقصى ما نستطيع من جهد. لا داعى للياس فان مئات من هولاء المهتدين البالغين قد تم استردادهم بعد اقامة وجيزة فى معسكر العدو وهم معنا الان .وجميع عادات المريض العقلية والبدنية ماتزال فى مصلحتنا وفى صفنا.

من حلفائنا العظام فى الوقت الحاضر. الكنيسة نفسها لاتسى فهم ما اقول. لست اعنى الكنيسة كما نراها منتشرة عبر كل زمان ومكان ومتجذرة فى الازل، مرهبة كجيش ذى رايات. فانى لا اعترف بان ذلك مشهد يقلق اجرا من لدينا من مجربين. ولكن من سعدنا ان هذا غير مرئى تماما لدى الادميين فكل ما يراة مريضك هو المبنى القوطى المزخرف نصف المكتمل على موقع البناء الجديد. وعندما يدخل الى الداخل، يرى البقال المحلى، وعلى وجهة تعابير اميل الى المداهنة والنفاق، يهب واقفا ليقدم الية كتابا لماعا صغيرا يحتوى على طقوس دينية لا يفهمانها كلاهما، وكتابا صغيرة بالية فية نصوص مشوهة لعدد من التراتيل الدينية الرديئة فى معظمها والمطبوعة بخط صغير جدا. وحين يصل الى مقعدة وينظر حوالية لا يرى سوى تلك المجموعة من جيرانة التى طالما تجنبها حتى ذلك الحين .فينبغى ان تعتمد جيدا على اولئك الجيران. اجعل ذهنة يشردجيئة وذهابا بين تعبير مثل "جسد المسيح" والوجوة الفعلية على المقعد الطويل التالى. طبعا، لا اهمية بالغة لنوع الاشخاص الذين يجلسون فى المقعد التالى. قد تعرف واحد منهم بصفتة محاربا شجاعا فى صف العدو. فلا يهمك ذلك. ان مريضك بفضل ابينا الدنى، غبى. فاذا صدف ان واحدا من اولئك الجيران خالف النغم عند التراتيل او كان ينتعل حذاء لة صرير وصريف او كان تحت ذقنة لغد او ثيابة غريبة الطراز فان المريض سيعتقد بكل يسر ان ديانتهم لابد ان تكون سخيفة على نحو ما. فانت ترى انة فى مرحلتة الحالية لدية فى ذهنة فكرة عن "المومنين بالمسيح" يفترض انها روحية، ولكنها بالحقيقة رسميزيتية

(مستقاة من صور راها تصور الكنائس والمسيحين، قديمة فى معظمها) الى ابعد حد. ذلك ان ذهنة زاخر بالاثواب الفضفاضة والصنادل والدروع والسيقان المكشوفة ومجرد حقيقة كون الاخرين فى الكنيسة لابسين ثيابا حديثة هى عندة صعوبة فعلية، وان كانت بالطبع لا واعية. فلا تدعن الامر يطف على السطح، لا تدعنة يسال ابدا عما توقع لهم ان يبدوا علية. ابق كل شى مشوشا فى ذهنة الان، وستكون لديك الابدية بطولها لتتسلى بان تنتج فية ذلك النوع الغريب من الوضوح الذى يعطية الجحيم.

فركز كل جهدك اذا على الخيبة او الهبوط المفاجى اللذين سيصيبان المريض حتما فى اثناء اسابيعة الاولى بوصفة مرتادا للكنيسة. ان العدو يسمح بحصول هذة الخيبة على عتبة كل مسعى بشرى. فهى تحصل عندما ينكب على تعلم اللغة اليونانية بجدية ذلك الصبى الذى سبق ان سحرتة فى دار الحضانة حكايات من ملحمة الاوديسة. كما انها تحصل عندما يتزوج الحبيبان ويباشران المهمة الواقعية النتمثلة فى تعلم العيش معا. وهى فى كل دائرة من دوائر الحياة تميز الانتقال من الطموح الحالم الى التحرك العملى والواقعى. والعدو يقوم بهذة المغامرة لان لدية نزوة غريبة فى تحويل هولاء الطفيلين البشريين الصغار المنفرين الى ما يدعو احباء وخداما "احرارا" - "ابناء" حسب الكلمة التلى يستخدمها _ بحبة الذى لا يلين لاهانة العالم الروحى كلة باقامة علائق غير طبيعية بالحيوانات التى تنتصب على قدمين. فرغبة منة فى ممارسة لحريتهم ، يرفض تاليا ان يحملهم حملا ، بمجرد عواطفهم وعاداتهم، الى اى من الغايات التى يضعها امامهم : اذ يدعهم يفعلون ذلك "بمحض اراداتهم" وها هنا تكمن فرصتنا .انما تذكر ايضا انة ها هنا يكمن الخطر الذى يتهددنا .فما ان يجتازون هذا الجفاف الاولى بنجاح ، حتى يصبحوا اقل اتكالا بكثير على العواطف، ومن ثم اصعب كثيرا ان يغووا ويقعون فريسة للتجارب.

استمررت اكتب حتى الان على افتراض ان الجالسين على المقعد الطويل التالى لا يوفرون اى اساس عقلانى لتلك الخيبة .وكان من شان مهمتك ان تكون اسهل جدا بالطبع لو فعلوا ذلك : لو عرف مريضك ان المراءة المعتمرة تلك  القبعةالمضحكة لاعبة بريدج (لعبة البطاقات) مهووسة او ان الرجل المنتعل الحذاء ذا الصرير والصريف بخيل ومبتز .فكل ما عليك عندئذ هو ان تصرف ذهنة عن هذا السوال التالى : "اذا استطعت فى حالتى التى انا عليها ان اعتبر نفسى مومنا بالمسيح بمعنى ما، فلماذا ينبغى ان تثبت مختلف رذائل هولاء الجالسين على المقعد التالى ان ديا نتهم مجرد رياء وتقليد ؟ ولعلك تتسال عن امكانية الحيلولة دون ورود فكرة بديهية كهذة حتى فى ذهن بشرى. ان ذلك ممكن، يا علقم، نعم انة ممكن! تول امرة جيدا، حتى لاتخطر تلك الفكرة فى بالة على الاطلاق. فلم تمض على انضمامة الى العدو مدة يكفى طولها لحيازة اى اتضاع حقيقى بعد. وكل ما يقولة، حتى وهو جاث على ركبتية، عن حالتة الخاطئة هو كلام ببغائى بمجملة. ففى قرارة نفسة ما يزال يعتقد انة قد فتح حساب اعتماد مربحا جدا فى الدفتر الاستاذ لدى عدونا اذ سمح لنفسة بان يهدى، ويحسب انة يبدى تواضعا وتصاغرا عظيمين بارتيادة للكنيسة اصلا مع هولاء الجيران العاميين "المتانقين" "المغرورين" فابقة فى تلك الحالة الذهنية ما دمت تستطيع ذلك

عمك المحب

خُربُر

 
 
Picture
  رسائل بقلم الأديب العالمي (سى اس لويس)

 عن رسائل ادبية للأديب العالمي الانجليزي سي اس لويس صاحب الروايه الشهيرة نارنيا والتي اصبحت في ما بعد فيلم عالمي مشهور

وهو يتخيل في هذة الرسائل حوار دائر مكتوب في شكل خطابات يرسلها رئيس روحي شرير ويسمى(خُربُر) الي احد الارواح الشريرة ويسمى (علقم) الموجهة الي احد الاشخاص الذي يبدأ حياه روحية جديدة

في ما يلي سنقدم لكم في شبه حلقات متتالية هذة الرسائل

وسنبدئها اليوم بالرسالة الاولى

                                    الرسالة الاولى

عزيزي علقم،

        اخذتُ علماً بما تقوله عن توجيه قراءات مريضك (المؤمن متجدد جديد) والاعتناء بأن يُكثر من مخالطة صديقه المادي. ولكن ألست في هذا ساذجاً بعض الشئ؟ يبدو انك قد افترضت ان الجدال وتقديم الحجج هو السبيل إلي إبقائه بعيداً عن براثن العدو(المسيح). وكان ممكناً ان يكون الامر كذلك لو انه عاش قبل قرون قليله  ففي ذلك الزمان كان البشر ما زالوا يعرفون جيداً إلي حد بعيد متي يُبرهن علي شئ ومتي لا يبرهن عليه، حتي إذا تبرهن صدقوه حقاً. وكانوا ما يزالون يربطون التفكير بالتصرف، وكانوا مستعدين لتغيير نمط حياتهم نتيجة سلسة من التعليل والتفسير والتفكير. ولكن بوجود الصحف الاسبوعية، وغيرها من الاسلحة نظيرها،غيرنا ذلك علي أوسع نطاق. فإن زبونك قد تعود، منذ نعومة أظفاره، أن يحوز دزينة من الفلسفات المتضاربة مُتراقصة داخل رأسه. وهو لا يفكر بالعقائد من حيث كونها بشكل اساسي (صحيحة)أو(خاطئة) بل بوصفها (اكاديمية)او(عملية)،(بائدة)او(معاصرة)،(تقليدية)او(متحجرة). فالجعجعة والكلام غير المفضي إلي نتيجة، لا الُمحاجة والتفكير المنطقي، خير حليف لك في إبعاده عن الكنيسة. فلا تبدد وقتك في دفعه إلي التفكير بأن المادية الصحيحة! اجعله يُفكر انها قوية، او باهرة، او جريئة: انها فلسفة المستقبل. ذلك هو نوع الشئ الذي يستهوية ويهتم به. (ابليس يتعامل مع الشخص من خلال اهتماماته )

إن المشكلة في المحاجة والتفكير المنطقي الذى يتضمن تقديم البراهين تكمن في كونها تنقل الصراع كله إلي أرض العدوالخاصة. وفي وسعه هو ايضاً أن يُحاج، في حين انه في مجال الدعاية العملية من النوع الذي اقترحه(ما اقترحه خربر هو الجعجعة ومجرد النقاش الفارغ، وهو يرى أن أباه الذى في الأسفل (ابليس) يتفوق فيه علي  الله) قد تبين علي مدى قرون طويلة انه الي ابعد حد أقل قدرة من ابينا الذي في الاسفل (ابليس). فبفعل المحاجة والنقاش المنطقي، توقف انت عقل المريض وإذا استيقظ فمن يستطيع التكهن بالنتيجة؟ حتي ولو استطعنا ان نلوي حبلاً من الافكار بحيث يؤول الي مصلحتنا، فسيتبين لك انك تقوي لدي مريضك تلك العادة المهلكة المتمثلة في التصدي للقضايا الكونية ومعالجتها والسعي لفهمها، وتصرف انتباهه عن مجرى الاختبارات الحسية المباشرة .

فمهمتك هي ان تركز انتباهه علي ذلك المجري. وعمله ان يدعو ذلك "الحياة الحقيقية"، بغير ان تدعه يسأل عما يعنيه بصفة "الحقيقية" .

تذكر انه ليس روحاً محضاً، كحالك انت. فإذ تكن قط ادمياً (وهي مزية بغيضة اتصف بها العدو!) لا تُدرك الي اي مدي يستعبدهم ضغط المألوف والمعتاد. كان لي ذات مرة مريض، وهو مُلحد راسخ، اعتاد ان يقرأ في المتحف البريطاني. وبينما هو جالس يقرأ في احد الايام، رأيت في رأسه حبل افكار بدأ يتجه في الوجهة الخطأ (الوجهة الخطأ بالنسبة لخربر) وبالطبع، حضر العدو الي جواره بلمح البصر. وقبل ان اتبين موقعي رأيتُ العمل الذي انجزته طوال عشرين سنة يكاد ينهار. ولو فقدتُ صوابي وشرعتُ في محاولة للدفاع من الطريق الُمحاجة والبرهنة، لذهب كل جهدي ادراج الرياح. غير أنني لم أكن بهذه الغباوة. ففي الحال وجهتُ ضرباتي إلي جزء الرجُل الذي أسيطرعليه أفضل سيطرة، فأوحيتُ إليه بأن وقت الغداء قد حان. وقد أوحى إليه العدو، علي وجه الاحتمال، الايحاء المضاد بأن ما يقوم به أهم من الغداء (وانت تعرف كيف لا يستطيع الواحد منا البتة ان يسترق بسهولة سمع ما يقوله عدونا لهم!) علي الاقل، اظن ان ذلك كان نهجه، لأنني حين قلت لمريضي: كفى الآن! إن سد جوعك أهم بكثير بعدما ولي الصباح وحل الظهر، انفرجت أساريره علي نحو لافت . وما إن اضفت :" افضل جداُ ان تعود بعد الغداء، وتُقبل على القراء بذهن مُنشط " حتى كان قد بلغ الباب تقريباً. وحالما وصل الى الشارع تحقق لى الفوز فى المعركة. فقد أريته بائع صحف ينادى بصحيفة نصف النهار، وحافلة رقمُها 73 مقبلة نحوه وقبل بلوغ اسفل الدرج، كنت قد أدخلتُ فى رأسه قناعه راسخة بأنه مهما خطر فى بال المرء من افكار غريبة وهو فى خلوة مع كتبه فان جرعة سليمة من "الحياة الحقيقية" (وهو يعنى بها  الحافلة وبائع الصحف) كافية لأن تريه أن "ما فكر به وخطر على باله" لا يُعقل ان يكون صحيحاً. وقد علم انه نجا بصعوبة، وفى سنين لاحقه شُغف بالتحدث عن (ذلك الشعور الغامض المبهم بالحقيقة ، الذى هو حامينا الأسمى من ضلالات المنطق المجرد النقى) وهو سالم الان فى بيت ابينا .

أبدأت ترى بيت القصيد ؟ بفضل عمليات بدأناها فيهم منذ قُرون ، يجدون من المستحيل تقريبا ان يؤمنوا باللامألوف فيما المألوف نصب اعيُنهم شدد لهم دائماً على اعتيادية الامور .وقبل كل شئ لا تحاول أن تستخدم العلم أعنى العلوم الحقيقية كدفاع فى مواجهة المسيحية .

فمن شأن العلوم أن تُشجعه حتماً على التفكير فى حقائق لا يستطيع لمسها ورؤيتها . وقد حصلت حالات مؤسفة بين الفيزيائيين الُمحدثين. وأن كان لابد له وان يشتغل فى العلوم على سبيل الهواية ، فاحصره فى مجالات الاقتصاديات او الاجتماعيات ولاتدعه ان يبتعد عن تلك الحياة (الحقيقية) التى لا تقدر بثمن. ولكن أفضل كل شى أن ألا تدعه يقرأ شيئاً من العلوم ، بل أن تغرس فى ذهنه فكرة عامة عظيمة بأنه يعلم كل علم ، وأن كل ما قد التقطه بالصدفة خلال الاحاديث العابرة والقراءة العرضية هو نتائج البحث الحديث. تذكر انك موجود هناك كى تربكه وتشوشه ! فمن الطريقة التى بها يتكلم بعضُكم، أنتم الشياطين الصغار، لابد لأى شخص أن يفترض أن عملنا هو ان نُعلم ! 

                                                         عمك المحب

                                                   خُربُر